محمد المقداد الورتتاني

290

البرنس في باريس

جزيرة الأندلس بالإسبان ، فلم يناموا عن الأخذ بالثأر من المسلمين الذين سلبوا ملكهم وسكنوا أرضهم وتربصوا بهم الدوائر وهم في الجبال النائية عن بسائط الأندلس بعد قرون عديدة وسلطان قوي وعلوم زاهرة ، وحضارة باهرة ، وعمران مستبحر . فكل ذلك لم يغن شيئا ، فكيف بك وأوروبا الآن هي سيدة القارات وأممها بلغوا من الحضارة منتهاها وفي المعارف غايتها وفي نظامات الحرب أقصى المهارة ، وفي الصنائع غاية الدقة ، وفي عمران الأرض أحسن إجادة ، وفي التجارة أصبحت كل العوالم عالة عليهم في الملبوسات وسائر المقتنيات ، وفي الثروة باتت في ممالكهم خزائن المجوهرات النفيسة التي لا توجد عند سواهم . والمكاتب الواسعة المفعمة بغرائب الكتب ومئات آلاف المؤلفات وملايين المجلدات ، وديار الآثار ومصنوعات الأمم الغابرة بما يقصر القلم دون قيمة تلك المجموعات الغريبة . أما الذهب والفضة فيكفيك أنهم استعملوهما في الماعون والآلة والتحف ، وما بقي احتكروه في ديار البنوك والمصارف بقارتهم وعوضوه بالأوراق للمعاملة في أقطار الأرض . وحدثوا في الإحصائيات عن خزائن الدول ما يفوق خزائن قارون . فأروبا الآن هي معدن النقود وكنز الجواهر ، وخزينة كتب العالم ومجموعة آثار الأمم ، ومعمل لأكسيتهم وآنيتهم وأسلحتهم ولقطارات برّهم ، ولسفن بحرهم وأستاذهم الملقن ، ومالكهم المتمكن . فهي القارة القديمة الحية في هذا الدور ، والتي لا يضرها ما تقدم من الأدوار السابقة فإنها ، ولئن تعلمت ذلك من أمم الشرق بالأندلس وإفريقيا وآسيا ، فإن هاته الأمم قد تعلمت أيضا ممن سبقها من أمم الشرق بالأندلس وإفريقيا وآسيا ، فإن هاته الأمم قد تعلمت أيضا ممن سبقها وارتقت بعدما زاحمت وتغلبت بعد ما غلبت . فأمة البربر بإفريقيا أتتها الحضارة وحسن السمعة من القرطاجنيين جالية الشام ، من الرومان البيزنطيين ، ولا أذكر الفندال وإن كنا نعلم أنهم شجعان أبطال ، إلّا أن مواطنهم « في جهات الدانمارك الآن » في ذلك العهد لا تعرف لهم حضارة ، وإنما هم رجال فتح وجسارة . حتى أنهم يلقبونهم بربر أروبا لاكنهم أقدر على الأسفار وركوب الأخطار من برابرة إفريقيا الذين يألفون الجبال ، ولا يتجاوزون حدود أوطانهم في النزال . وكذلك تسربت الحضارة لبرابرة إفريقيا من أمم آسيا فدافعوا أولا على البقاء في همجيتهم ومجوسيتهم وعيثهم وغيهم . والجاهل لا يحب التعليم فهو كالصبي لا بد